الشيخ الطبرسي

800

تفسير جوامع الجامع

أَقْسَمَ سبحانَهُ بوَقْتِ ( الْضُّحَى ) وهو صَدْرُ النَّهارِ ، وقيلَ : أُريدَ بالضُّحَى النَّهارُ كُلُّهُ ( 1 ) كقَولِهِ : ( أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأسُنَا ضُحىً ) ( 2 ) في مقَابَلَةِ قَولِهِ : ( بَيَاتاً ) ( 3 ) ، ( سَجَى ) أي : سَكَنَ ورَكَدَ ظَلامُهُ ، ولَيْلةٌ سَاجِيَةٌ : سَاكِنَةٌ الرِّيحِ ، وقيلَ : معنَاهُ : سُكُونُ النَّاسِ والأَصْوَاتِ فيهِ ( 4 ) . ( مَا وَدَّعَكَ ) جَوابُ القَسَمِ ، أي : ما قَطَعَكَ قَطْعَ المُودِّعِ ، والتَّوديعُ مبَالَغَةٌ في الوَدَعِ وهو التَّرْكُ ، لأنَّ مَنْ وَدَّعَكَ فَقَد بَالَغَ في تَرْكِكَ . ورُويَ : أنَّ الوَحْيَ قَد احتَبَسَ عنْهُ أيَّاماً ، فَقَالَ المشركُونَ : إنَّ محمَّداً ودَّعَهُ رَبُّهُ وَقَلاَهُ فَنَزَلَتْ ( 5 ) . وحُذِفَ الضَّميرُ مِن ( قَلَى ) كَمَا حُذِفَ من ( الْذَّاكِرَتِ ) ( 6 ) ، ونَحوُهُ : ( فَآوَى ) ، ( فَهَدَى ) ، ( فَأغْنَى ) وهو اختصَارٌ لَفْظيُّ لأنَّ المحذُوفَ معلُومٌ . ( وَلَلاْخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الاُْولَى ) وَجْهُ اتِّصالِهِ بما قَبْلَهُ : أنَّه لمَّا كانَ في ضمْنِ نَفْيِ التَّوديعِ والقِلَى أنَّ اللهَ مُواصِلُكَ بالوَحْيِ إليكَ ، وأنّكَ حَبيبُ اللهِ ، أَخْبَرَهُ سبحانَهُ أنَّ حالَهُ في الآخِرَةِ أَعْظَمُ من ذلكَ وأَجَلُّ ، وهو السَّبْقُ والتَّقَدُّمُ على جميعِ الرُّسُلِ والأَنبياءِ ، وإعْلاَءُ المَرتَبَةِ ، وإعْطَاءُ الشَّفَاعَةِ والحَوْضِ وأَنْواعِ الكَرامَة . وعن ابنِ الحَنَفيَّة أنَّه قَالَ : يا أَهْلَ العراقِ ، تَزْعمُونَ أَنَّ أَرْجَى آية في كتَابِ اللهِ عزَّ وجلَّ : ( قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أسْرَفُواْ . . . ) ( 7 ) الآيةُ ، وإنَّا أَهلُ البيتِ نَقُولُ : أَرْجَى آية في كتابِ اللهِ : ( وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ) وهي واللهِ الشَّفَاعَةُ ، لَيُعطِينَّها في أَهلِ لا إله إِلاَّ الله حتَّى يَقُولَ : رَبِّ رَضَيْتُ ( 8 ) .

--> ( 1 ) قاله قتادة . راجع تفسير الطبري : ج 12 ص 599 . ( 2 ) الأعراف : 98 . ( 3 ) الأعراف : 97 . ( 4 ) قاله مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد . راجع تفسير الطبري : ج 12 ص 622 . ( 5 ) رواه الطبري في تفسيره : ج 12 ص 623 عن ابن عباس . ( 6 ) الأحزاب : 35 . ( 7 ) الزمر : 53 . ( 8 ) رواه القرطبي في تفسيره : ج 20 ص 96 عن عليٍّ ( عليه السلام ) . وفي الدرّ المنثور : ج 8 ص 543 من طريق حرب بن شريح عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين ( عليه السلام ) ، وعزاه إلى ابن المنذر وابن مردويه وأبي نعيم في الحلية .